لبنان “يقمع” إنتاج الطاقة محلياً ويستعين بشركات أجنبية لتوفير الكهرباء!

سلوى بعلبكي | جريدة النهار | ٠٦-٠٩-٢٠١٧

في الوقت الذي تسعى الدولة الى استقدام مولدات كهرباء بقدرة نحو 800 ميغاواط على دفعتين: 400 ميغاواط في غضون 3 أشهر و400 ميغاواط أخرى في غضون 6 أشهر، تواجه وزارة الطاقة مشكلة كيفية شراء هذه الكهرباء بعدما قررت الحكومة إلغاء المناقصة السابقة، فيما اقترحت إدارة المناقصات اعادة صياغة مشروع العقد الجديد بكامله من اجل عدم استهلاك الوقت في اجراءات قد لا تسفر عن اي نتيجة ايجابية. وبدل تصحيح الخلل في دفتر الشروط الجديد الذي يعيد إنتاج الظروف التي دفعت الحكومة إلى إلغاء المناقصة الأولى، انبرى وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل الى انتقاد إدارة المناقصات متهما إياها بالخضوع لتدخّلات سياسية.

وكانت إدارة المناقصات قد اشارت إلى شروط أخرى تمنع المنافسة والمساواة وتكافؤ الفرص، وابرزها: القيمة الباهظة للضمان الموقت (50 مليون دولار بدل 20 مليون دولار حدا أقصى)، وإمكان مصادرة الكفالة الموقتة في حال سحب العرض، وعدم تحديد خيار التمويل، وحصر التشغيل بـ3 سنوات مع السماح بالتمديد لسنتين، والضبابية حيال من يتحمل الضريبة على القيمة المضافة الملتزم ام الدولة، وطلب مستندات من ممثل محلي ما يخرج الصفقة عن اطار كونها مناقصة عالمية، وفرض المعيار أيزو 9001 او ما يعادله والمعيار أيزو 14001 او ما يعادله.

هذه البنود دفعت رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني الى اعتبار ان بند “حصر التشغيل بـ3 سنوات مع السماح بالتمديد لسنتين يعطي الأفضلية للشركات التي تقترح كلفة ثابتة منخفضة وكلفة مرتفعة لتحويل الوقود، كالمحطات العائمة، على حساب الشركات ذات كلفة التحويل المنخفضة كالمحطات على البر. أما الضبابية حيال من يتحمل الضريبة على القيمة المضافة، فإنها تعيدنا إلى المشكلة نفسها التي منعت تنفيذ معمل دير عمار بعد انسحاب الشركة الملتزمة ومطالبتها الدولة بمبالغ تصل إلى 145 مليون دولار، من دون أن يتسنى لها القيام بأي عمل مادي، وهذا المبلغ يفوق بثلاثة أضعاف تقريباً قيمة الضريبة على القيمة المضافة المتنازع عليها”.

من المعروف أن احدى المشكلات الأساسية في المناقصة السابقة هو حصرها بالمحطة العائمة، لكن هذه المشكلة موجودة في المناقصة الجديدة ولكن بشكل مبطن، إذ وفق المارديني فإن “اعفاء البوارج من رسم ايجار الوقوف في البحر يشكل دعما للمحطات العائمة، في حين تحصر اليابسة فقط بالمساحة المقابلة لمعملي دير عمار والزهراني، بدل السماح باستخدام الاراضي المناسبة في الموقع الذي يختاره العارض، وتفرض مهلا غير واقعية من 21 يوماً لتقديم العروض بدل شهر ونصف شهر على الأقل و3 اشهر لتسليم المحطة الأولى بدل سنة على الأقل. كما يذكر دفتر الشروط الجديد دولة تركيا بالاسم عند الحديث عن تكاليف كتاب الضمان واي تكاليف بنكية اخرى، ما قد يوحي أن شركة تركية هي من وضع دفتر الشروط بدل أن تضعه وزارة الطاقة، علماً أنه ينبغي الطلب من إدارة المناقصات لا الوزارة وضع دفتر الشروط اساسا”.

ربما تكون وزارة الطاقة على حق بأن المولدات التركية العائمة هي من سيفوز بالمناقصة لاقتناعها بأنها توفر أحسن خدمة وأدنى سعر، إلا أن مبدأ المناقصة يحتم على الوزارة التمييز بين التقدم بالعروض والفوز بالمناقصة. والاجدى، برأي المارديني، هو “السماح للجميع بالتقدم للمناقصة، وخصوصا لمن تعتبرهم الوزارة غير قادرين على توفير عرض رابح. فالمنافسة الحقيقية والموضوعية تسمح بتكافؤ الفرص ما بين أضعف العارضين وافضلهم. إما إعطاء الأفضلية لأحد العارضين بحجة أنه الأفضل، فقد يثير الشكوك حول وجود محاباة في منح العقود، ويحبط عزيمة بقية الشركات على التقدم للمناقصة”.

ومن الثغرات التي يشير اليها المارديني هي حصر المناقصة بمن يمكنه إنتاج 400 ميغاواط واستبعاد شركات بقدرة أقل، “إذا كان بمقدور شركتين ان تؤمن كل منهما 200 ميغاواط بسعر أقل من “كارادينيز” أو غيرها، فلماذا تستبعد؟ وماذا لو ان أدنى كلفة تؤمنها 4 شركات، كل منها بقدرة 100 ميغاواط؟ أو 400 مولد، كل منها بقدرة 1 ميغاواط؟”. ولأننا نبحث عن حل موقت وليس دائم، ومن أجل تأمين العرض الأوفر على الدولة، يقترح المارديني إستبدال عبارة “معامل لتوليد الكهرباء بقدرة 400 ميغاواط”، بعبارة “معامل لتوليد الكهرباء بقدرة لا تتعدى 400 ميغاواط”. وهذا التعديل يسمح بفتح المناقصة فعلياً للجميع، فتحالف Altaaqa Global Caterpillar وتحالف شركات APac Energy Rental/A’BED/AEMS وتحالف شركاتMEP / Navtek / Tuzla /OEG /AERL وتحالف شركاتBBE Power / Palmet Int. / Enerwo Enerji / BB Energy Gulf DMCC تحالفات تتمتع بخبرة في معامل أقل من قدرة 400 ميغاواط. كما يسمح هذا التعديل باستدراج عروض من شركات أخرى لم تتجرأ على التقدم للمناقصة السابقة بسبب عدم خبرتها بتشغيل مولدات 400 ميغاواط وصيانتها. وربما تتشجع شركة كهرباء زحلة، وجبيل، وقاديشا، وعدد من أصحاب مولدات الإشتراك، وغيرهم، على دخول المناقصة وتقديم عروض تنافسية، ما يسمح بنشوء صناعة محلية لإنتاج الكهرباء يمكنها أن تنمو سريعاً. وبما أن هؤلاء المنتجين المحليين موجودون أساساً على الأرض، فإن عامل السرعة، الذي يبدو كأنه من أهم عناصر المفاضلة بين العروض، يلعب لمصلحتهم ويجعلهم من أبرز العارضين”.

ويشرح اسباب عدم وجود شركات لبنانية موازية لـ Karadeniz وBBE وغيرهما من الشركات الأجنبية التي قدمت عروضا في المناقصة السابقة، فيشير الى “أن القانون اللبناني يمنع تطور قطاع توليد الكهرباء بالشكل المناسب بسبب احتكار مؤسسة كهرباء لبنان لإنتاج الطاقة بالرغم من فشلها في تأمين الحاجات. وبذا فرضت الدولة على شركات إنتاج الكهرباء اللبنانية اللجوء إلى السوق السوداء مع كل ما يرافق ذلك من إجحاف بحق المواطن. وبما أن السوق السوداء هي عادة لأصحاب العضلات والنفوذ، فقد أدى هذا الوضع الهجين إلى انتقاء عكسي (Adverse Selection) فامتنع المستثمر الذي يحترم القانون عن دخول سوق توليد الكهرباء وترك القطاع لمن لا يخشى مخالفة القانون”. في مدينة لندن مثلاً، يبلغ عدد شركات الكهرباء 45 تتنافس في ما بينها لإقناع المواطن بالإشتراك معها والشراء منها. وبما أن القطاع شرعي، فإنه متاح للمستثمرين لضخ الأموال فيه وبناء المعامل وإنتاج الكهرباء بكلفة صفر دولار على الدولة، على عكس قطاع الكهرباء في لبنان الذي كلف الدولة 16 مليار دولار منذ عام 2008 وسبّب 46% من الدين العام”.

إضغط هنا لقراءة المقال على الموقع الرسمي للصحيفة

Tags: الدين العام, الشركات الخاصة, المولدات, صفر دولار, كهرباء, وزارة الطاقة و المياه,