لبنان في عين العاصفة وتحذيرات من فوضى عارمة و«ثورة جياع»

موقع المجلة | ٢٥ نيسان ٢٠٢٠

إنه الانهيار الكبير، وقعت الواقعة ولا مجال للعودة إلى الوراء، إذ بات لزامًا على اللبنانيين تقبُّل التداعيات الخطيرة للسقوط المدوي الذي لن يرحم أحدا، لا الفقير ولا ما تبقى من الطبقة الوسطى، ولا حتى الأغنياء، بسبب منظومة ‏حاكمة أوصلتهم والبلد إلى أسفل سافلين على مختلف مستويات معيشتهم المالية ‏والمصرفية والاقتصادية والاجتماعية.
فعلى نحو غير مسبوق تخنق الأزمة الاقتصادية اللبنانيين، الآلاف يُطرَدون من وظائفهم، مؤسسات وشركات كبرى أفلست، عشرات المحال تقفل أبوابها يوميا، لتبدو القائمة وكأنها لا تريد أن تنتهي. غلاء فاحش، وسلع تُفقَد من الأسواق، ومصارف تضع يدها على أموال المودعين، وتقطع منها لتعويض خسائرها، بينما تُحَوَّل مئات ملايين الدولارات إلى الخارج للسياسيين والمتنفذين. وما كان من أزمة تفشي فيروس «كورونا» المستجد إلا أن يزيد الطين بلة بعد أن أصبح لبنان بحالة الشلل التام، على مختلف الصعد، بفعل انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية مع إعلان حالة التعبئة العامة والإغلاق العام. ولا يبدو أن أحدًا في البلاد يعي حجم الكارثة، والتي لا تنحصر في أزمة كورونا فقط، بل بما سيظهر من أزمات بعدها.
وخلاصة المشهد، أن كل شيء يوحي بانفجار شعبي قريب، لن يستطيع أي حزب أو فريق سياسي امتصاص غضب الشارع، فسعر الدولار تجاوز عتبة الـ3300 ليرة بشكل غير مسبوق حتى في أصعب وأدق وأخطر الظروف، والمصارف تصادر أموال المودعين والحكومة تفاوضهم عليها، غلاء فاحش في أسعار المواد الغذائية، ولا من حسيب ولا من رقيب، ففي وقت لم ير فيه رئيس الحكومة حسان دياب في «كبسته» على إحدى «السوبر ماركتات» شيئا نافراً في هذه الأسعار، لا يجد وزير الاقتصاد وسيلة لحماية المستهلك إلا بمقاطعة شراء البضائع، مما يضع اللبنانيين تحت رحمة جشع التجار.

كورونا وفاتورته القاسية
على الرغم من تمكن السيطرة على فيروس كورونا إلى حدٍ ما، ومنع الانزلاق إلى المرحلة الرابعة والأخطر، إلا أن تداعيات هذه الجائحة الاقتصادية والمعيشية أضعاف تداعياتها الصحية. وفي خضم الإجراءات الأمنية والصحية التي اتخذتها الحكومة عبر فرض حالة التعبئة العامة وإقفال كل المحلات التجارية ما عدا تلك المستثناة، ومنع التجول ليلا، تحت طائلة الغرامة المالية، على غرار الدول المتقدمة، فات الحكومة اللبنانية أن هذه الدول المتقدمة عملت على توفير مقومات الصمود لشعوبها لتشجيعهم على الالتزام بالحجر المنزلي.
أما في لبنان فقد ترك المواطن يواجه قدره، في ظل أزمة خانقة وأسعار جنونية، بانتظار الإفراج عن المساعدات المالية المقدرة بـ400 ألف للعائلات الأشد فقرا والتي أقرتها تحت الضغط، وحتى الساعة لم يرَ منها المواطنون فلسا واحدا في ظل المراوغة وتضييع الوقت، ليجد اللبنانيون أنهم يلتزمون بمنازلهم قسرا منذ نحو شهر تقريبا من دون عمل ومن دون مدخول، ودون أي تقديمات حكومية تذكر.
وبين الموت بفيروس «كورونا» أو الموت جوعا وفقراً، أًجبر كثير من المواطنين على كسر قوانين التعبئة لتأمين قوتهم اليومي، إلا أن الأخطر من ذلك أن فيروس «كورونا» لم يمنع هؤلاء من التعبير عن غضبهم العارم، والنزول إلى ساحات الاعتصام بفعل تردي الأوضاع المعيشية وغياب المعالجات الحقيقية. فنزل اللبنانيون إلى الشوارع في مختلف المناطق خوفًا من الجوع الذي بدأ يدّق أبوابهم، وخوفًا من غدرات الزمان، وخوفًا من الآتي الأعظم». وهو ما يطرح تساؤلات عما بعد «كورونا»، فهل سنكون أمام «ثورة 2» وانفجار غضبٍ أوسع في زمن الانهيار المالي الذي فاقم «كورونا»، لا سيما بعدما قضى أهل السلطة على شتى ‏أنواع طبقاته المتوسطة والمستورة وحتى الميسورة؟

في حديث مع الصحافي والمحلل السياسي منير الربيع، أكّد لـ«المجلة»، أن الشعب اللبناني لديه كل الأسباب كي يعود إلى الشارع مجددا، من الجوع والفقر إلى الدولار وانهيار الليرة إلى الوضع الاقتصادي السيئ، وجميعها بوادر تشير إلى الانفجار الكبير بعد انحسار فيروس كورونا.
ورأى الربيع أنه «في المقابل، ما يستفز الناس أكثر هو الصراع السياسي المستمر بين جميع القوى السياسية من الموالاة والمعارضة، ولكن رغم ذلك هذه القوى تعمل على استقطاب الناس مجددا، سواء المعارضة التي تصوب على الحكومة وتستثمر في الشارع لضرب العهد، أو الأخير الذي يحاول توجيه غضب الناس على المعارضين مع اتهامهم بأنهم وراء هذا الخراب الحاصل في البلد بعد 30 سنة من الحكم»، مشيرا إلى أن «ثمة محاولة كبيرة من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة على الاستثمار بالشعب بغية توجيه التحركات ضد القوى السياسية المعارضة لهم».
وأكّد الربيع أن «كل محاولات القوى السياسية بما فيها الموالاة والمعارضة لاستقطاب الناس لن تنجح ولن ينجحوا أيضاً في امتصاص غضب الشارع، وعلى عكس جميع الأزمات، فإن جوع الشعب سيقلب الطاولة على رؤوس الجميع، وبالتالي لا أحد قادر على الاستثمار في الشارع ولا حتى ضبطه».
كما لفت الربيع أنه «من خلال الوقائع، فإن الحكومة غير قادرة على إنجاز خطة اقتصادية، وكل قرار تتخذه تتراجع عنه فيم بعد وهو مؤشر على ما سوف نشهده في المستقبل، وهو المزيد من الفوضى والترهل والانهيار وكذلك المزيد من الصدامات السياسية».
وختم الربيع بتأكيد أن «الشارع سينتفض مجددا ولكن بزخم أقوى حتى إنه سيكون أسوأ من قبل».

الجوع والفقر على الأبواب
حذرت منظمة «هيومان رايتس ووتش»، من «جوع» يتهدد سكان لبنان جراء انتشار فيروس كورونا المستجد والقيود المتخذة لمكافحته في بلد يشهد أساسًا انهيارا اقتصاديا، داعية الحكومة إلى اتخاذ إجراءات سريعة لتقديم مساعدات إلى الأكثر تضررًا.
وذكرت المنظمة في بيان لها أن «الملايين من سكان لبنان مهددون بالجوع بسبب إجراءات الإغلاق المتصلة بالوباء، ما لم تضع الحكومة على وجه السرعة خطة قوية ومنسَّقة لتقديم المساعدات».
وأضافت: «تسبب وباء كوفيد-19 في تفاقم أزمة اقتصادية مدمرة كانت موجودة أصلاً».
وبالإضافة إلى 4.5 مليون لبناني، تقدر السلطات وجود 1.5 مليون لاجئ سوري و174 ألف لاجئ فلسطيني.

الأزمة المالية تتفاقم وأموال المودعين مصادرة
إمعانًا في سياسة إفقار الناس، تواصل الحكومة تخبطها وخطواتها العشوائية من دون أي ‏خطة إنقاذية واضحة المعالم حتى الساعة، سوى أنها منذ أن آثرت سحب مشروع «الكابيتال ‏كونترول» واعتمدت المناورة في قضية «الهيركات»، لجأت إلى «خطة» الاختباء خلف ‏‏«فرمانات» حاكم المصرف المركزي، التي تصدر بين حين وآخر على صورة قرارات متتالية ‏بغطاء من الرؤساء الثلاثة لتنظيم «هيركات مقنّع» على الودائع، ما يشير إلى أن لبنان يسير بوتيرة سريعة نحو تعويم عملته المحلية، الليرة، وتحرير سعر الصرف الأجنبي الثابت منذ سنوات، وهو ما سيتبعه، بالطبع، حدوث موجة تضخمية لأسعار السلع والخدمات ربما لم تشهدها البلاد من قبل.

وفي حديث مع المحلل الاقتصادي، الدكتور باتريك مارديني، أكّد لـ«المجلة» أن «الوضع الاقتصادي والمالي من سيئ إلى أسوأ، وطالما لا يتم حل المشكلة الأساسية المتمثلة في المصارف اللبنانية سيكون لبنان بمواجهة تضخم مالي كبير، نظرا للخسارة الكبيرة التي منيت بها المصارف والتي تقدر بنحو 80 مليار دولار وبالتالي على أحد أن يدفع ثمن هذه الخسارة، وفيما دفعت المصارف جزءا منها بما يقارب الـ20 مليار دولار، فالمبلغ المتبقي أي (60 مليار دولار) يعمل على تحميله للمودعين»، وتابع: «المهم هنا أن نعلم الطرق الذي سيتم اتخاذها في هذا السبيل».
وأشار ماريديني أن «ثمة الكثير من الطرق لتحميل هذه الخسائر للمودعين، والأكيد أنه لا سحوبات بالدولار الأميركي بعد اليوم، وبالتالي (ليرنة) الودائع ما يعني (هيركات) بطريقة غير مباشرة على سحوبات المودعين لا سيما أن الدولار في السوق الموازية تخطى عتبة 3300 ليرة فيما سعره الرسمي مثبت عند 1515. علما بأن هذا (الهيركات) لن يغطي جميع الخسائر إلا أنه من إحدى الطرق المتبعة لتحصيل ما يمكن تحصيله الآن ريثما يتم أخذ القرار حول الخطوات التي ستتبع فعليا لحلّ الأزمة الفعلية».
في هذا السياق، قال مارديني إن «وقف سحوبات الدولار هذا سيؤدي إلى مزيد من التدهور خصوصا أن ثمة طلبا كبيرا جدا على الدولار نظرا لكون اقتصاد لبنان هو اقتصاد ريعي غير منتج، وبالتالي هناك حاجة كبيرة للعملة الصعبة لعمليات الاستيراد، علما بأنه كلما ارتفع الطلب على الدولار كلما سيرتفع سعر الصرف حتما وهو ما سنشهده في الأيام المقبلة»، مشيرا إلى أنه «كلما قل الدولار في السوق مع مصادرة المصارف للدولار من وقف السحوبات إلى ليرنتها ووقف كذلك السحوبات الدولارية من المؤسسات غير المصرفية فسيرتفع سعر الصرف ويضطر التجار إلى شراء العملة الصعبة على هذا السعر ما يعني المزيد من التدهور المعيشي والغلاء الفاحش في الأسعار، وكذلك تدهور القدرة الشرائية».
وعن سعر الدولار، قال مارديني إن «هذا الأمر يتوقف على كيفية إجراء (الهيركات) في حال تم التوافق عليها إن كان عبر اقتطاع جزء من الودائع أو (ليرنة) الودائع، وفي هذه الحالة ستدهور الليرة لتصل إلى 3750 و4000 ليرة للدولار الواحد، أما في الحالة الأولى فلن تتدهور، إلا أن جزءا من المودعين سيخسرون جزءا من مدخراتهم، وبالتالي نحن أمام خيارات موجعة».
كما لفت مارديني: «على الرغم من أزمة الودائع فإن الخسارة الأكبر تتمثل في قطاعات العمل، فثمة خسائر كبيرة منيت بها المؤسسات والشركات والتي أغلق الكثير منها أبوابه، ما يضع مصير آلاف العمال والموظفين الذين خسروا أشغالهم على المحك»، مشيرا إلى أنه «يتوقع أن يصل الركود الاقتصادي في لبنان إلى ما يقارب 30 في المائة هذا العالم وهو أمر مرعب، مما يعني مزيدا من الإقفال والتسريحات للعمال وأيضا ارتفاع نسب البطالة من جهة وصعوبة القدرة على الاستحصال على الودائع المصرفية من جهة أخرى».
ورأى مارديني أن «لبنان أمام معاناة معيشية كبيرة جدا، ومن المتوقع أن تتفاقم هذه الأزمة وتمتد حتى العام المقبل، وبالتالي اللبنانيون أمام سيناريو كارثي طويل وشاق، ومن غير المعلوم كيف سيتمكنون من تخطي هذه الأزمة».
وفي الختام، أكد مارديني: «لبنان قادم على فقر كبير، فإذا كانت نسبة الفقر 30 في المائة عام 2017 فنحن اليوم أمام نسبة 50 في المائة أي نصف الشعب اللبناني وهذه النسبة قابلة للارتفاع أيضًا، وبالتالي التكلفة التي سوف يتكبدها المواطن اللبناني ستكون كبيرة والخيارات ستكون صعبة وموجعة».

ثورة «17 تشرين» تتجدد
كان لافتا تجدّد ثورة 17 تشرين، فلم يعد كورونا وحده هو من يخيف اللبنانيين، بل إن وحشاً لا يقل خطراً يهددهم يومياً في أرزاقهم ومدخراتهم وأموالهم. إنه الجوع الذي بدأ يطل برأسه من بوابة الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار والابتزاز الذي لم يوفر ربطة الخبز، والسياسات الخاطئة بمجملها… وكلها أمور أعطت من خلالها السلطة السياسية، وربما من حيث لا تدري، دفعا وزخما متجددا للفصل الجديد من الثورة. ذلك أن الثوار تحدوا الجوع وكورونا والحجر الصحي وشروطه ليعودوا إلى الشارع ويسمعوا صوتهم إلى مسؤولين غفلوا طويلا عن أنينهم المزمن بحجة كورونا.
وبالفعل جددت ثورة 17 تشرين (الثلاثاء) شبابها بالتزامن مع انعقاد جلسة مجلس النواب في قصر اليونيسكو، متخذة التدابير الوقائية اللازمة، إذ انطلق الثوار في مسيرات سيّارة من كافة المناطق اللبنانية وتجمعوا في نقاط الثورة الأساسية متوجهين إلى محيط القصر، مؤكدين أن الثورة مستمرة.

في هذا السياق، قال المنسّق الإعلامي في مجموعة «لحقي» الناشط في الحراك الشعبي، أدهم الحسنية لـ«المجلة» إن «الأسباب التي أنتجت ثورة 17 تشرين تفاقمت، وبالتالي اقتصاد لبنان لم يعد مأزوما فحسب إنما أصبح في قلب الانهيار، في ظل انهيار العملة الوطنية والارتفاع الجنوني في الأسعار الذي وصل إلى 300 و400 في المائة في بعض السلع، حتى بات الأمن الغذائي المهدد وعدم قدرة الكثير من اللبنانيين على توفير قوتهم اليومي إذ تعيش آلاف العائلات اللبنانية اليوم تحت خط الفقر، فيما الحكومة اللبنانية بعيدة كل البعد عما يعيشه المواطنون من مؤشرات تؤكّد أن الثورة مستمرة لا سيما أن الجوع والفقر يهدد جميع اللبنانيين».
وأشار الحسنية إلى أن «اليوم الرهان على وعي الشعب الذي أدرك فعليا أن هذه الحكومة ليست سوى غطاء للحكومات السابقة، فعملت على إقرار موازنة الحكومة السابقة، وتستكمل اليوم السياسات المالية المجحفة عبر تحميل المودعين خسائر المصارف الناتجة عن سياسات مصرفية ونقدية فاشلة دون محاسبة منهم وراء هذه الأزمة، واسترجاع الأموال المنهوبة ووضع حد للصفقات والهدر والفساد داخل مؤسسات الدولة والمرافق العامة».
وعن عودة التحركات، قال الحسنية: «إن مجموعات الحراك الشعبي عاودوا تحركاتهم يوم الثلاثاء بالتزامن مع جلسة مجلس النواب، لكي يؤكدوا للسلطة أن ثورة 17 تشرين لم تنطفئ»، وفيما يتعلق بمجموعة «لحقي»، قال الحسنية إنه «كانت الدعوات محصورة ضمن المجموعة لضمان الالتزام بالإجراءات الوقائية والتدابير الأمنية المتعلقة بالتعبئة العامة، مشيرا إلى أنه في الأسابيع المقبلة مع تخفيف هذه الإجراءات وانحسار فيروس كورونا ستتتابع تحركاتنا وستكون أوسع».
وحول محاولات السلطة السياسية تخوين الحراك مجددا، قال الحسنية إنها «طرق وأساليب اعتدنا عليها من قبل السلطة، لكن اليوم لم يعد بمقدورهم امتصاص غضب الشارع لأن الانهيار والفقر والجوع حل على رأس جميع اللبنانيين وبالتالي يبقى الرهان على وعي المواطنين، لا سيما أنه اتضح من هم العملاء للخارج فعلا بدليل ملف العميل الإسرائيلي عامر الفاخوري وتسليمه من قبل الحكومة اللبنانية لأميركا، ومن توجه الرئيس دونالد ترامب للحكومة بالشكر للتعاون في هذا الملف».
وفي ظل المخاوف التي أثيرت مؤخرا حول انفجار اجتماعي وفوضى بعد كورونا، قال الحسنية إن «الهدف من هذا هو إثارة الهواجس والقلق خوفا من ردود الفعل الشعبية، مؤكدا أن «الأزمات الاجتماعية تخلق تعاضدا اجتماعيا، بدليل ما نراه اليوم من دعم اللبنانيين بعضهم بعضا عبر تقديم المساعدات الاجتماعية والحصص الغذائية.
وتابع: «لا يحدث انفجار اجتماعي، ولا يحدث اقتتال بين المواطنين إلا عندما تتدخل الأحزاب والقوى السياسية عبر تمويل بعض المجموعات بهدف الاقتتال».

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع المجلة