كيف تلاعبت 3 بنوك بالليرة التركية.. هل انتهت الأزمة بحظرها؟

عربي 21 | ٩ أيار ٢٠٢٠

تعرضت الليرة التركية لهجمات “تلاعبية” شنتها مؤسسات مالية في لندن، بهدف إضعافها أمام العملات الأجنبية، ما أدى إلى هبوطها لأدنى مستوى على الإطلاق عند 7.27 ليرات للدولار الواحد قبل أن تقلص جزءا من خسائرها وتستقر عند 7.10 ليرات للدولار بنهاية تعاملات الجمعة.

ونقلت وكالة الأناضول المملوكة للدولة التركية عن مصادر مصرفيه قولها إن بعض المؤسسات المالية في لندن تقوم بشراء العملات الصعبة من السوق، دون أن يكون لديها سيولة من الليرة التركية، أعقبه قرار من هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية، بحظر معاملات 3 بنوك أجنبية، لعدم الوفاء بالتزاماتها تجاه البنوك التركية مقابل العملات الصعبة التي اشترتها.

وأعلنت الهيئة التركية، الخميس، أنه بموجب المادة 93 من القانون المصرفي رقم 5411، تم فرض حظر تداول الليرة على “بي إن بي باريبا” (BNP Paribas SA)، و”سيتي بنك” (Citibank NA)، و”يو بي إس” (UBS AG)، موكدة أن البنوك الثلاثة عجزوا عن تلبية التزامات بالليرة في الوقت المناسب.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتهم فيها السلطات التركية جهات خارجية بالتلاعب بسعر صرف العملة الوطنية، فما الذي يحدث لليرة التركية؟ وكيف يتم التلاعب بسعر صرفها؟ ولماذا لا تصد السلطات التركية المعنية هذه الهجمات؟ وماذا يعني قرار تركيا حظر تداول الليرة في 3 بنوك أجنبية؟

الخبير المالي والمصرفي باتريك مارديني، قال إن بعض المؤسسات المالية والبنوك الأجنبية في تركيا استغلت انخفاض سعر الفائدة وحصلت على قروض بالليرة التركية ثم قامت بتحويلها إلى دولار، (أي أنها قامت ببيع ما اقترضته بالليرة وشراء الدولار) وهو ما أدى إلى تراجع قيمة العملة التركية مقابل العملة الأمريكية.

“رهان المضاربين”

وأكد مارديني في حديث خاص مع “عربي21″، أن تخفيض سعر الفائدة 8.75 بالمائة فتح المجال أمام المضاربين للمراهنة على تحقيق أرباح كبيرة في السوق التركية، مضيفا: “عندما تقترض 600 ليرة تركية والدولار الواحد يساوي 6 ليرات فهذا يعني أنك اقترضت ما يعادل 100 دولار، وعندما ينخفض سعر صرف الليرة إلى 7 ليرات للدولار الواحد فهذا يعني أنك أصبحت تمتلك 700 ليرة، وإذا أضفت على سبيل المثال 10 بالمئة فائدة القرض فهذا يعني أنه يجب عليك سداد 660 ليرة إجمالي قيمة القرض. ويتبقى معك ربحا قدره 40 ليرة، وهذه تسمى مضاربة”.

وأوضح مارديني أن البنوك الثلاثة راهنت على انخفاض قيمة الليرة وهذا ما حدث فكسبوا الرهان وحققوا أرباحا كبيرة، لافتا إلى المضاربة هي عمليات اعتيادية في سوق الصرف لكن المضارب دائما يختار الأوقات المناسبة لتحقيق أكبر ربح ممكن.

وأشار الخبير المالي والمصرفي إلى أن الحكومة التركية تمتلك ثلاث وسائل لصد “هجمات التلاعب” بسعر صرف عملتها الوطنية، على المدى المتوسط والبعيد وهي ضخ سيولة دولارية لإحداث توازن في عمليات العرض والطلب بسوق الصرف (وفي هذه الحالة سيخسر جزءا من احتياطياته النقدية)، أو رفع سعر الفائدة لجذب الدولار من الخارج (وهذا سيؤدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي)، أو ترك الليرة لعمليات العرض والطلب (وقد يؤدي ذلك إلى تدهور العملة وتوقف العديد من الاستثمارات الأجنبية أو تخارجها من السوق).

وكان وزير المالية التركي أبدى تفاؤلا خلال مؤتمر بالهاتف مع المستثمرين الأربعاء الماضي حيال إمكانية إبرام صفقة خط مبادلة لتمويل بالنقد الأجنبي، لكنه لم يذكر تفاصيل، حسب ما قاله عدد من المشاركين في المؤتمر لرويترز.

وفي 22 نيسان/أبريل خفض البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي للمرة الثامنة في أقل من عام عند 8.75 بالمائة رغم تراجع قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأميركي. وخسرت الليرة نحو 18 بالمئة من قيمتها منذ بداية العام الجاري في ظل ضغط من فيروس كورونا على الاقتصاد التركي.

“تحت المراقبة”

ولفت مارديني إلى أن الحكومة التركية لا يمكن مقاضاة البنوك الأجنبية لأنها لم تفعل شيئا يخالف القانون، وعمليات المضاربة هي عمليات متعارف عليها دوليا في أسواق “الفوركس”، مؤكدا أن قرار حظر تداول الليرة على البنوك الثلاثة المعنية هدفه إيصال رسالة بأن المؤسسات المالية الأجنبية في السوق التركية تحت المراقبة.

وقال إن قرار الحظر سيجبر البنوك الثلاثة على بيع ما لديها من سيولة دولارية وشراء الليرة التركية لسداد ما عليها من التزامات أو قروض وعودة التوازن للسوق ودعم الليرة، لكن القرار لا يمكنه منع عمليات المضاربة، مستطردا: “هذا قرار إيجابي على المدى القصير لكن على المدى الطويل تحتاج تركيا لاتخاذ إجراءات عاجلة لحماية عملتها المحلية أبرزها رفع أسعار الفائدة” – بحسب رأيه-.

وأردف: “المضاربات دائما تهدف إلى الربح، وليس شرطا أن يكون لها أبعاد سياسية، لكن بعض الدول الأخرى قد توظف تدهور العملة المحلية نتيجة تلك المضاربات لأغراض سياسية”.

يشار إلى أن هناك أربعة أنواع رئيسية للمضاربة في “الفوركس”، تتمثل في المضاربة الآنية وتعرف باسم spot، والمضاربة على عقود المستقبل Future، ومضاربة المشتقات وتعرف باسم options، والمضاربة التبادلية.

وفي المضاربة الآنية تتحرك أسعار العملات بين ثانية وأخرى، وهي تستلزم أن يكون المضارب أمام شاشات الأسعار دائمًا، ويتميز هذا النوع من المضاربات بالسرعة، وأنه يمكن أن يتم إجراء عدد كبير من العمليات في اليوم الواحد ولا يمكن تحديد الربح أو الخسارة فيها.

“عقود المستقبل”

وتتم المضاربة على عقود المستقبل بناء على سعر مستقبلي متوقع؛ حيث يتم العمل فيها وفق تكنيك مختلف عن أنواع المضاربات الأخرى، وفي الغالب تخضع لتوقعات المضاربين المبنية على ما يتوفر لديهم من بيانات ومعلومات عن حركة العملات الحالية والمستقبلية واقتصاديات الدول.

وتعتمد مضاربة المشتقات على خطط معينة لدخول السوق والخروج منها، ويتم تحديد نسبة الخسارة التي يمكن تحملها قبل بدء المضاربة، وأهم ما يميز هذا النظام أنه يتم تجهيز الخطط والدخول بها إلى السوق، وحاليا تبيع شركات الاستشارات في هذا المجال أقراصا ممغنطة أو CD عليها تلك الخطط ويمكن أن تصل تكلفتها إلى 250 ألف دولار للممغنط الواحد، ويكون المضاربون في هذا المجال من الشركات الكبرى وفي هذه النوعية من المضاربات يتم الربط بين أسعار الصرف ومتغيرات أخرى مثل أسعار النفط أو أسعار الذهب أو أسعار إحدى السلع مثل القمح وغيره.

أما المضاربة التبادلية فتقتصر على أصحاب شركات التصدير والاستيراد؛ حيث تتم المضاربة على ثبات قيمة العملة، ويكون الربح للمصدر والمستورد من إجمالي تغيير أسعار الصرف لعمليات التصدير والاستيراد معا، وفقا لموقع “tradersup”.

وتتخطى قيمة المعاملات اليومية في سوق تداول العملات الأجنبية الخمسة تريليونات دولار، أغلبها لا علاقة لها بالتجارة الحقيقية، بل تعكس مضاربات على تقلب أسعار أزواج العملات، مثل الدولار الأمريكي في مقابل اليورو، ويراهن المضاربون على انخفاض قيمة عملة مقابل أخرى سترتفع في زوج العملات نفسه.

وعادة ما تشكل عمليات المضاربة تأثيرات سلبية على سوق العملة المحلية خاصة في الدول التي يرتفع فيها حجم الديون الأجنبية على الشركات العاملة فيها، لأن ذلك يعني أرباحا أقل لهذه الشركات كون أرباحها بالعملة المحلية وديونها بالعملة الصعبة، كما هو الحال في تركيا.

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع عربي 21