رغم كل الانتقادات يبقى صندوق النقد المظلّة الآمنة لتسهيل طريق اي مساعدة خارجية

موقع الإقتصاد | ٢٨ أيار ٢٠٢٠

“هناك طريقتان لقهر و استبداد أمة، الأولى هي بحد السيف والأُخرى هي عن طريق ​الديون​”.

” جون أدامز”

ومن المعلوم ان ادامز هو الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأميركية وأحد زعماء الثورة الأميركية، نجح في حفظ دولته الوليدة من دخول حرب خاسرة مع ​فرنسا​.

ونحن في لبنان لانعرف اي منهما قد نجحت، الاّ ان النتيجة معروفة وهي ان الاستبداد بالشعب اللبناني متواصل من قبل المسؤولين قبل الخارج .

بعد كل السجالات التي احاطت بموضوع الاستعانة ب​صندوق النقد الدولي​ ، وبعد بدء مرحلة المفاوضات معه تمهيدا لاقرار الحلول المناسبة للخروج من ​الازمة المالية​ والاقتصادية في لبنان ، ما يزال البعض يخشى من التوصيات التي سيفرضها الصندوق على حساب الطبقة الفقيرة مقابل اي قرض موعود به ، فيما البعض الآخر يطمئن الى ان الصندوق يراعي خصوصيات البلدان التي هي في طور النمو كلبنان .

الخبير الاول في العالم بموضوع قياس نسبة ​التضخم​ وغلاء الاسعار و وضع سياسات لمكافحتها البروفيسور ستيف هانكي يقول : “يبدو أن لبنان قد ابتلع سمّ صندوق النقد الدولي. بعد حصوله على الأموال من صندوق النقد، يخطط لبنان لتعويم الليرة. حسنًا، ولكن الليرة لن تعوم على بحر هادئ . كلا، انها ستغرق مثل الحجر”.

امتازت برامج الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد بوصفة تكاد تكون واحدة يقدمها لكل الدول مهما اختلفت طبيعة اقتصادتها، وأبرز سياساتها: خفض الدعم المقدم من الحكومة للسلع والخدمات، ورفع الضرائب والرسوم، والعمل على خصخصة بعض شركات ​القطاع العام​، وتعويم العملة المحلية، والاتجاه نحو الاستدانة من الخارج وتجنّب الاستدانة من الداخل.

وفقا للصندوق، الهدف من ​قروض​ه هو إعطاء البلدان الأعضاء فرصة لالتقاط الأنفاس حتى تنتهي من تنفيذ سياسات تصحيحية منظمّة تستعيد بها الظروف الملائمة لاقتصاد مستقر ونمو مستدام. وتختلف هذه السياسات باختلاف الظروف في كل بلد.

فالبلد الذي يواجه هبوطاً مفاجئاً في أسعار صادراته الأساسية قد يحتاج إلى ​مساعدة مالية​ حتى ينتهي من تنفيذ إجراءات لتقوية اقتصاده وتوسيع قاعدة صادراته. والبلد الذي يعاني من خروج التدفقات الرأسمالية بشكل حاد قد يحتاج إلى معالجة المشكلات التي أدت إلى فقدان ثقة المستثمرين، فربما تكون أسعار الفائدة شديدة الانخفاض أو ​عجز الموازنة​ ورصيد الدين يتناميان بسرعة كبيرة أو ​النظام المصرفي​ غير كفء أو ضعيف التنظيم.

الكابيتال كونترول

جميع هذه المؤشرات متوافرة للأسف في لبنان . ولكن موضوع الكابيتال كونترول المطروح لا احد يعلم ما اذا كان الصندوق يؤيده ، فيما ان ​مجلس النواب​ يتهرّب منه ليحيله الى ​مصرف لبنان​ ، الذي باشر بتطبيقه من خلال تعميمين حملا الرقم 148 و149 وتضمن إجراءات استثنائية حول ال​سحوبات​ النقدية من الحسابات ب​العملات الاجنبية​ . وقد جاء في التعميم 148 المادة الاولى:

أولاً: في حال طلب اي عميل لا يتعدّى مجموع قيمة حساباته الدائنة كافة، مهما كان نوعها و/أو آجالها، لدى المصرف 5,000,000 ليرة بتاريخ صدور هذا القرار، إجراء سحوبات او عمليات صندوق نقداً من هذه الحسابات، على ​المصارف​ العاملة في لبنان، ان تقوم بما يلي:

1- تحويل المبلغ المطلوب سحبه الى ​الدولار الاميركي​ وفقاً للسعر الذي يحدده مصرف لبنان في تعاملاته مع المصارف.

2- تحويل المبلغ بالدولار الاميركي الناتج عن عملية الصرف موضوع البند (1) اعلاه الى ​الليرة اللبنانية​ وفقاً لسعر السوق بتاريخ طلب السحب من قبل العميل.

3- تسديد للعميل المبلغ الناتج عن عملية الصرف المحددة في البند (2) اعلاه.

4- بيع من مصرف لبنان ​الدولار الأميركي​ الناتج عن العمليات المشار اليها في البند (2) من المقطع «أولاً» هذا، وذلك وفقاً لسعر السوق.

ثانياً: في حال طلب اي عميل لا يتعدى مجموع قيمة حساباته الدائنة كافة، مهما كان نوعها و/أو آجالها، لدى المصرف 3000 د.أ. أو ما يوازيها بأي عملة اجنبية اخرى من هذه الحسابات، على المصارف العاملة في لبنان، ان تقوم بما يلي:

1- تسديد السحوبات او عمليات الصندوق نقداً من هذه الحسابات او المستحقات للعميل بما يوازي قيمتها بالليرة اللبنانية وفقاً لسعر السوق يوم تنفيذها.

2- بيع من مصرف لبنان العملات الاجنبية الناتجة عن العمليات المشار اليها في المقطع «ثانياً» هذا، وذلك وفقاً لسعر السوق.

المادة الثانية: يشترط تطبيق احكام المادة الاولى اعلاه ما يلي:

1- موافقة العميل المعني.

2- سحب مجموع قيمة هذه الحسابات دفعة واحدة من قبل العميل.

3- ان يتم احتساب مبلغ 5,000,000 ل.ل. أو 3000 د.أ او ما يوازيها بأي عملة اجنبية، بعد تنزيل قيمة اي ديون مستحقة من قبل العميل لصالح المصرف.

وتوّقع البعض ان هذا التدبير هو للتخلص من صغار المودعين .

زيادة الضرائب والرسوم

اما بالنسبة لزيادة الضرائب والرسوم فنتيجتها انخفاض مدخول الدولة ، بالتأكيد وفق رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني ؛ فهناك شركات ستقفل ، كما ستزيد وتيرة التهرّب الضريبي . وستذهب هذه الشركات حيث فضّ النزاعات اسهل ، وحيث هناك تحفيز للاسثمارات . وبالتأكيد ، فان فرض الضريبة على الفائدة بنسبة 20% لن تشجع الشركات على الاستثمار .كما ان الضرائب التصاعدية التي تقترحها الحكومة سترفع نسب ​البطالة​ والفقر في لبنان .

ويقول الدكتور مارديني بعد تطبيق “الهيركات ” سيتراجع الدين العام من 175% من الناتج المحلي الى 100% ، ورغم ذلك، سيبقى مرتفعا اذا لم يتم ضبط الانفاق المرتفع على قطاعات اهمها ​الكهرباء​ وغيرها… وفلندا تشكل مثالا جيّدا على عدم زيادة الضرائب ، اذ رغم طلب صندوق النقد ، فاستبدلته برزمة اصلاحات وكانت النتيجة تسارع قسم كبير من ​الدول الاوروبية​ الى الاستثمار فيها. وحققت نموا جيدا بعد ارتفاع المداخيل .

وسط اتهامات بانتهاك الصندوق لقواعد الإقراض واتباعه سياسات غير منضبطة تتسبب في زيادة الأعباء الاقتصادية وتبعاتها الاجتماعية في 18 دولة أبرزها ​الأرجنتين​، تقول سارة جين كليفتون، مديرة حملة إسقاط الديون: “سياسات صندوق النقد الدولي تحظّر إعطاء قروض لدول تعاني من موقف اقتراضي غير قابل للاستدامة، لكننا نرى الصندوق يفرّط في انتهاك تلك السياسة ويقدم قروضاً لمقترضين متهورين، ما يتسبّب في مخاطر أخلاقية في نظام الإقراض السيادي”.

وأضافت: “إن الاستمرار في تقديم قروض لدول تعاني من جراء أعباء الديون دون تقديم حلول إعادة جدولة لتلك الديون لتخفيف أعبائها يضع مزيداً من الأعباء على كاهل مواطني تلك الدول مع وضع ضمانات صارمة لتسديد القروض ما يزيد من وطأة الموقف الاقتصادي في تلك الدول وتستمر دورة القروض المرهقة”.

ما أبرز الانتقادات الموجهة للصندوق؟

الاقتصادي الأمريكي ​جوزيف ستيغليتز​ الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وكبير الاقتصاديين في ​البنك الدولي​ وأحد أهم مساعدي الرئيس الأمريكي الأسبق ​بيل كلينتون​ توّصل في أحد أبحاثه إلى أن “القروض التي يقدمها الصندوق إلى الدول تكون ضارة في حالات كثيرة خاصة التي توجه إلى ​الدول النامية​ ودول العالم الثالث.”

اين نجح الصندوق ؟

في عام 2002 شهدت ​تركيا​ أزمة اقتصادية حادة سبقتها أوضاع مالية سيئة على مدار عدة سنوات كانت أهم مظاهرها انخفاض معدل النمو وزيادة ​معدلات التضخم​ وارتفاع عجز الموازنة، بالإضافة إلى تراجع أداء القطاعات الاقتصادية وتراجع ​الاستثمارات​ وانخفاض الاحتياطى الأجنبي وارتفاع معدلات البطالة.

ولجأت الحكومة التركية إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولى، والذي بدوره فرض عليها مجموعة من الشروط الصعبة، تضمنت إجراء ​إصلاحات اقتصادية​ عديدة، منها تشجيع ودعم ​أنشطة الأعمال​ وتحريرها من القيود القانونية، وخلق مناخ استثمارى أكثر جذبًا وإسراع عملية خصخصة القطاع العام، وكذلك تخفيض سعر صرف الليرة، والتخلي عن نظام سعر الصرف المرن، وإجبار الحكومة على تطبيق نظام سعر صرف مرتبط بالدولار.

وعقب عدة مفاوضات مع صندوق النقد، بدأت تقل الشروط، وفي غضون ذلك ، تبنت الحكومة التركية برنامجًا متكاملًا للإصلاح الاقتصادي تناسب مع ظروف تركيا وطبيعتها.

وفي عام 2015، نجحت تركيا في بتسديد كافة ديونها لصندوق النقد الدولي.

كما تعتبر ​ماليزيا​ من أكثر التجارب نجاحًا واستفادة من قرض صندوق النقد الدولي، حيث قامت ​الحكومة الماليزية​ بتطبيق مجموعة من السياسات الهامة مكنتها من تسديد القرض.

وفرض صندوق النقد مجموعة من الشروط على ماليزيا مثل (تخفيض قيمة العملة، وتحقيق فائض في ​الموازنة العامة​ للدولة، والسماح بإفلاس الشركات، ورفع أسعار الفائدة)، ولكن الحكومة رفضت وتمكنت من إعادة هيكلة الديون.

ايضا ، نجحت إندونيسيا في الاستفادة من قرض صندوق النقد، وخلال سنوات قليلة انتعش اقتصادها مرة أخرى، وتمكنت من تسديد كافة الديون من المؤسسات الدولية.

اما بالنسبة الى لبنان ، فهو لم يعد عنده ما يخسره . واي شروط سيفرضها صندوق النقد سبقتها اليها الدول المانحة التي دقّت ناقوس الخطر في لبنان عدة مرات مركزّة على عدة ملفات يتصدّرها ملف الكهرباء الفضيحة الذي يستهلك موازنة الدولة مقابل لا شيء من الكهرباء ، حتى سمح لبنان بدخول مجموعة غينيس في لائحة الدول الأسوأ في التغذية وفي الأداء، يليها ملفات أخرى كحجم القطاع العام ، المعابر غير الشرعية، التهّرب الضريبي ، ​البنية التحتية​ المهترئة رغم تيذير الصرف عليها وغيرها… ومهما ارتفع حجم التنّبه من سياسات الصندوق فانه يبقى الضمانة لأستعادة الثقة الدولية في لبنان ولفتح معبر اي مساعدات بعد ما يصبح تحت مظلّته .

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع الإقتصاد 

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع البدع