الودائع في خطر.. تداعيات مدمرة لخطة لبنان الاقتصادية الجديدة

صحيفة الإستقلال | ١٧ نيسان ٢٠٢٠

تداولت وسائل إعلام لبنانية، مسودة مسربة للخطة الاقتصادية التي تعدها الحكومة للخروج من الأزمة الاقتصادية والمصرفية التي يعاصرها لبنان نتيجة تراكم الديون التي تخطت الـ 90 مليار دولار، وسوء إدارة الحكومات المتعاقبة.

وتأتي تلك الخطة عقب تصويت الحكومة اللبنانية بالإجماع في 7 مارس/ آذار 2020، على التخلف عن سداد مستحقات الديون السيادية. وألقى الفساد في لبنان على كاهل المواطنين مزيدا من الأعباء في وقت يتوقع أن يصبح 40 بالمئة من الشعب اللبناني تحت خط الفقر.

وتضمنت المسودة تفاصيل إعادة هيكلة المصرف المركزي والبنوك التجارية لتشمل “مساهمة استثنائية عابرة من كبار المودعين” وتحدد الخطوط العريضة لصندوق خاص لتعويض خسائر المودعين الناجمة عن إعادة الهيكلة.

وتستهدف الخطة الحصول على تمويلات خارجية تتراوح بين 10 إلى 15 مليار دولار على مدار السنوات الخمس المقبلة لمساعدة لبنان على اجتياز أزمته المالية، إضافة إلى مساهمة استثنائية من كبار المودعين في المصارف.

وتوقعت الخطة تراجع سعر الصرف إلى 2607 ليرات للدولار في 2021، وإلى 2979 في 2024. وسعر الربط الرسمي للدولار محدد عند 1507.5 ليرة منذ 1997.

وفقدت العملة اللبنانية أكثر من أربعين بالمئة من قيمتها منذ بداية المظاهرات ضد الفساد في بيروت في أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

كما تستهدف الخطة تقليص الدين العام إلى 90 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027 مقارنة مع أكثر من 170 بالمئة في نهاية 2019. وتفترض الخطة أن يستفيد لبنان بشكل فوري من دعم مالي خارجي وأن يطبق الإصلاحات بنجاح.

ورصدت الخطة خسائر في الاقتصاد بقيمة 83.2 مليار دولار، بسبب انخفاض قيمة الأصول التي يحوزها المصرف المركزي وانخفاض قيمة محفظة القروض المصرفية وإعادة هيكلة الدين الحكومي.

وتشير أيضا إلى أن إعادة الهيكلة على مراحل لميزانيات البنوك التجارية العمومية ستتضمن عملية إنقاذ كاملة من المساهمين الحاليين تتمثل في شطب رؤوس أموال بقيمة 20.8 مليار دولار، في حين يجري تغطية الباقي البالغ 62.4 مليار دولار من خلال “مساهمة استثنائية عابرة من كبار المودعين”.

وذكرت الخطة أن صندوقا خاصا سيعوض خسائر المودعين من المبالغ القادمة من برنامج سيرصد ويستعيد أصولا مكتسبة بشكل غير مشروع.

وتقدر الخطة خسائر المصرف المركزي المضمنة بنحو 40 مليار دولار، وذلك نتيجة “سنوات من العمليات المالية الخاسرة” بهدف جمع احتياطيات من النقد الأجنبي للحفاظ على الربط وتغطية فجوة تمويلية في ميزان المدفوعات.

 

تفاؤل أجوف
يرى الخبير الاقتصادي، جاسم عجاقة، أن الحكومة تحاول أن تقنع الدائنين من حاملي السندات أن هناك خطة اقتصادية تسعى لها، إلا أن الخطة تتضمن معطيات ضئيلة جدا تعكس مدى ضعف الخطوات المقترحة وبالتالي يمكن القول بأن الشق الاقتصادي يغيب عن تلك الخطة.

وأضاف عجاقة، في حديثه مع “الاستقلال”، أن الشق المتعلق بسعر الصرف في الخطة يعد أكبر خطيئة ترتكبها الحكومة بسعيها لخفض العملة اللبنانية إلى نحو 3000 للدولار بحلول 2024 دون أن يكون هناك أي عمل حقيقي للنهوض بالاقتصاد اللبناني يعمل على وقف انخفاض العملة المحلية.

وأضاف بأن انخفاض الليرة إلى هذا الحد وفقا لتقديراته قد يقود نسبة الفقر في لبنان إلى ما يفوق 73 بالمئة، وهو “أمر كارثي” سيدفع المستوى الاجتماعي للشعب نحو الهبوط دون عودة.

وأكد الخبير الاقتصادي، أنه بخفض سعر العملة وتجميد رواتب القطاع العام وتخفيض كل أنواع التقديمات الاجتماعية بما فيها الصحة والتقاعد بالإضافة إلى واقع فيروس كورونا الذي أدى إلى غلاء الأسعار، فإن الحكومة تقود الشعب اللبناني إلى الهاوية.

وأشار عجاقة، إلى أن جميع الإصلاحات المطروحة غير القطاع المصرفي تحتاج إلى مزيد من الشرح، خاصة أن هناك ملفات سياسية ووطنية خلافية مثل الكهرباء والجمارك تشغل حيزا صغيرا من الخطة دون شرح كاف عن عملية الإصلاح. وأشار إلى أن الأرقام المكتوبة بالخطة تعد تقديرية لا تعكس الواقع.

وأوضح عجاقة، أنه فيما يخص برنامج القطاع المصرفي بالخطة فإن هناك تعد واضح من قبل الحكومة على صلاحيات المصرف المركزي للبلاد بتحديده مهام قانون النقد والتسليف والتي تعد بالأساس مهام المركزي.

بالإضافة إلى أن الحديث حول أن المصرف المركزي لديه خسائر تبلغ أكثر من 40 مليار دولار، غير دقيق، كما يقول الخبير الاقتصادي مضيفا: “الدولة تحاول أن تحمل المصرف المركزي عبء الدين العام الذي هو بالأساس صنيعة الحكومة”.

وبالتالي، تنعكس تلك الخسارة على القطاع المصرفي ومن ثم على أموال المودعين الذين تسعى الحكومة للاقتطاع منهم “وهذ أمر مخالف للدستور”.

واعتبر الخبير الاقتصادي، أن هناك أمرين أساسيين لم تأخذهما الحكومة بعين الاعتبار: الأول هو البعد السياسي كون هناك إشكالية كبيرة مع المجتمع الدولي وخصوصا حول توقف قدوم الدولارات من الخارج لوجود حظر غير معلن عنه مما يعني أن واضعي الخطة متفائلون بشكل مبالغ فيه كأن ليس هناك أي مشكلة.

الأمر الثاني، هل مؤتمر سيدر الذي تعول عليه الخطة ما زال قائما بذات الدعم المقدر بنحو 11.5 مليار دولار؟، مضيفا بأنه يستبعد استمرار جاهزية هذا الدعم وأنه في حال وجود معطيات لدى واضعي الخطة فلا بد من ذكرها داخل الخطة كون سيدر لم تتغير.

و”سيدر”، هو مؤتمر اقتصادي عقد بباريس بمشاركة 50 دولة، في 2018، بهدف دعم اقتصاد لبنان، حيث بلغت القروض المالية الإجمالية المتعهدة من الدول المانحة قرابة 12 مليار دولار.

ووصف عجاقة، السيناريوهات المطروحة بأنها تفاؤلية أكثر من اللازم بالنظر إلى اعتبار 2024 عام عودة الأمور الاقتصادية إلى مسارها الصحيح.

وأكد أنه في حال التصرف في الودائع لن يكون هناك ثقة من قبل المجتمع الدولي واللبنانيين للاستثمار أو وضع ودائع جديدة بالقطاع المصرفي، مما يمكن القول بأنه من المتوقع أن تلك الخطة ليست صالحة ولن ترى النور.

 

إصلاحات خاوية
من جانبه، يرى رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باترك ماردين، أن الخطة لم تطرح حلولا أو إصلاحات ولكنها تتحدث عن كيفية دفع المواطن اللبناني ثمن أخطاء الحكومة دون أي تصحيح للمسار، “وبالتالي إذا دفع الشعب اللبناني اليوم تلك الضريبة غدا ستقع الدولة بنفس المشكلة”.

وأضاف ماردين، في حديثه مع “الاستقلال”، أن الحكومة والمصرف المركزي مدينون للمصارف والمودعين بنحو 83 مليار دولار.

وأشار إلى أن الطرفين أخبرا المصارف بأنهم لن يردوا لهم رؤوس أموالهم مما يعني شطب نحو 22 مليار دولار من هذا الدين. يتبقى 61 مليار دولار يسعى المصرف المركزي للاستحواذ عليها من أموال المودعين.

وتابع: “الدولة اللبنانية لديها هدر كبير بنفقتها بسبب مشاريع الكهرباء والماء واحتكار قطاع الاتصالات والطيران وقطاع الكازينو والدخان والإنترنت. نتيجة كل تلك الاحتكارات الدولة اللبنانية تخسر أموال طائلة”.

ويرى أن “على الدولة أن تسعى إلى تحجيم الخسائر من خلال خصخصة تلك الشركات التي تدر خسائر طائلة نتيجة سوء الإدارة، بالإضافة إلى أن خصخصتها سيدر أموالا إلى الدولة تمكنها من تقليل المساس بأموال المودعين”.

وأردف: “على سبيل المثال، شركة الكهرباء تدر خسائر بقيمة 2 مليار دولار سنويا فإذا وضعت الشركة في صندوق سيادي وأعطت المودع حصة من هذا الصندوق فبالتالي الحكومة تقدم له حصصا بالخسارة”.

وأشار إلى أنه “من الأجدى أن تخصخص الحكومة اللبنانية تلك الشركات بدلا من طرحها بصندوق سيادي على أن تفتح المنافسة لمنع الاحتكار”.

وأضاف: “ليس هنالك مخاوف من خصخصة تلك الشركات، فالدولة تقدم دعما لشركة الكهرباء في حين أن الكهرباء تنقطع لمدة تصل لـ 12 ساعة يوميا مما يدفع المواطن للجوء إلى السوق السوداء للحصول عليها خلال أوقات الانقطاع بأسعار مضاعفة عن التكلفة الطبيعية”.

وبالتالي يدفع المواطن فاتورتين للكهرباء، لذا فإن خصخصتها ستمكنه من دفع فاتورة واحدة للحصول عليها لمدة 24 ساعة بكلفة أقل، وفق ما يقول.

وأكد رئيس المعهد اللبناني، أن 80 بالمئة من الدين العام هو دين محلي بالأساس ويعود للمصارف اللبنانية و20 بالمئة دين خارجي. وذكر أن تفاقم حجم الدين الداخلي وبلوغ دين المصرف المركزي نحو 40 مليار دولار يعود إلى 2015 حينما رفضت المصارف منح قروض للحكومة.

وقتها، استدان المصرف المركزي من المصارف نيابة عن الحكومة بأسعار فائدة مرتفعة ومن ثم منح تلك القروض للحكومة بأسعار فائدة منخفضة متحملا الخسائر.

وأشار ماردين، إلى أن عدم وجود إصلاحات كافية بالخطة سيدفع صندوق النقد الدولي إلى عدم دعم لبنان على الرغم من أن الخطة تضمنت تحرير سعر الصرف وفرض مزيد من الضرائب وهي أقرب إلى رغبات الصندوق.

إلا أن الصندوق لم يجد أي تقليص للنفقات وتخلص من فائض العمالة بالقطاع العام، ولكن لا يوجد خصخصة للمؤسسات التي تمثل عبئا على الدولة، بحسب ماردين.

واستنكر عدم وجود حلول في إطار الأزمة الاقتصادية كون الوارد في الخطة مجرد أشياء إنشائية وأطروحات مكررة لم تفلح في السابق، معتبرا أن الخطة تداركت الأزمة المصرفية ببعض الحلول التي وصفها بالجائرة، إلا أنها لم تكترث بالأزمة الاقتصادية من خلال طرح حلول حقيقية.

وقال: إن تحديد سعر الصرف بخفضه نحو 50 بالمئة ليصبح في حدود الـ 3000 ليرة للدولار خلال الـ3 سنوات القادمة، يمثل نفس القيمة في السوق السوداء، وبالتالي فهذا ليس تعويما لسعر الصرف بقدر ما هو تثبيت لسعر الصرف الجديد.

وتابع: “لا بد من التوقف عن تثبيت سعر الصرف على الطريقة القديمة والاتجاه نحو التعويم”. وأردف: “في حال أرادت الحكومة تثبيت سعر الصرف، يجب إلغاء المصرف المركزي وإنشاء مجلس نقدي يعمل على إعادة التوازن للعملة المحلية”.

وهذا التوازن يتم من خلال منع طباعة أي عملة محلية إلا في حالة وجود غطاء أجنبي أو وجود حالة من الزيادة في العملة المحلية مقابل الغطاء الأجنبي، حيث يتم سحب تلك الأموال من السوق لإعادة التوازن للعملة.

ومن خلال تلك الآلية تضمن الحكومة سعر صرف ثابت، أو تتجه نحو الدولرة وإلغاء الليرة اللبنانية نظرا لأن 80 بالمئة من ودائع اللبنانيين هي بالدولار وبالتالي في حال إلغاء العملة اللبنانية لن تحدث أزمة، وفق تقديره.

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع صحيفة الإستقلال