الشعب يريد إسقاط النظام، فأيّ نظام جديد؟

جريدة الجمهورية | ٢٢ تشرين الأول ٢٠١٩

بعد مناقشات طويلة، كانت الحكومة تتجه إلى تمويل عجز الخزينة، أي الفارق ما بين إيراداتها ونفقاتها، من جيب المواطن عبر رفع ضريبة القيمة المضافة والرسوم على السجائر وصفيحة البنزين والواتس آب؛ فانتفض الشعب وقلب الطاولة على الجميع وخرج إلى الشارع واعتصم وتظاهر في جميع المناطق. وعلى إثر ذلك، وعدت الحكومة بخفض نفقاتها على الصناديق والصفقات العمومية والتزمت بإشراك القطاع الخاص في الاتصالات والبورصة والطيران والمرفأ والمطار والتبغ والتنباك وغيرها.

وتتحدث ورقة الإصلاح عن إخضاع المؤسسات العامة والمصالح المستقلة لرقابة ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، إضافة إلى إخضاع مشترياتها لإدارة المناقصات.

ويمكننا أن نجزم ها هنا أنّ الشعب اللبناني كان على حق وأنّ الحكومة على خطأ، وأنّ الضرائب الإضافية كانت ستسرّع الانهيار. فقد أجرت الحكومة اختبار زيادة الضرائب والرسوم في العامين 2018 و2019، وأدى ذلك إلى انخفاض وارداتها بدلاً من ارتفاعها بسبب هروب الرساميل وإغلاق الشركات وإفلاس التجار وإقفال المحلات وتسريح العمال والموظفين، وهذا ما يعرف في علم الاقتصاد بمنحنى لافير (Laffer curve).

وكانت النتيجة لتبقى ذاتها من انكماش وبطالة وإقفال للمحال وإفلاسات في العام 2020 لو أصرت الحكومة على معاودة الكرة وفرض ضرائب إضافية.

من هنا يحتاج لبنان إلى التخلي عن نظامه الريعي الذي يقتطع من الشعب ليهدر في الوزارات والمجالس والصناديق واستبداله بنظام جديد مبني على أعمدة اقتصادية وإدارية تضمن المحاسبة كما يلي:

1- تفكيك جميع الاحتكارات: وعلى رأسها احتكار كهرباء لبنان وأوجيرو وطيران الشرق الأوسط وشركتي الخليوي ومصالح المياه، والسماح لأيّ مستثمر بإنتاج هذه الخدمات من دون الحاجة إلى إذن أو ترخيص من الوزير؛ وعندئذ يتمكن المواطن من المحاسبة عن طريق الشراء من العارض الأفضل والامتناع عن الشراء من العارض السيّئ.

2- تفعيل دور الهيئات الرقابية: ورد مشروع «قانون الشراء العام» الذي تم عرضه على اللجنة الوزارية المكلفة دراسة الإصلاحات المالية والاقتصادية لأنه يلغي دور إدارة المناقصات الرقابي ويفاقم مشكلة الفساد في الصفقات العمومية. وينبغي استبدال هذا المشروع باقتراح لجنة الإدارة والعدل في العام 2017.

ويظهر الفساد الاقتصادي والمالي في احتكار الدولة للقطاعات الحياتية، ما أدى إلى إغراق البلاد في العتمة والنفايات والمياه الملوثة والإنترنت المكلف.

وقد أضعفت هذه الاحتكارات من قدرة لبنان على المنافسة والإنتاج. فالصناعة تحتاج إلى الكهرباء، والزراعة تحتاج إلى مياه، كما تحتاج التجارة والخدمات إلى الاتصالات بينما تعتمد السياحة على الطيران ومعالجة النفايات. واليوم، لم يعد ثمة خيار أمام جميع هذه القطاعات سوى الشراء من الشركات المحتكرة مهما بلغ سوء خدمتها وارتفع سعرها.

وبدلاً من كسر الاحتكار، فضّل الوزراء استخدام سوء الخدمة كمبرر لإقامة مشاريع فرعونية لا قدرة للمواطن على دفع ثمنها من ضرائبه. ففي الكهرباء مثلاً، تمّ التخطيط لبناء 3 محطات تغويز(FSRU) كلفة الواحدة منها 4 مليارات دولار، علماً بأن لبنان في حاجة إلى واحدة أو اثنتين على الأكثر.

وبالإضافة إلى ذلك، يصرّ المعنيون على اعتماد حل الكهرباء الموقت (أي السفن) على الرغم من كلفتها المرتفعة. وقد أدى تغييب إدارة المناقصات عن ما يزيد عن 90 % من الإنفاق العام إلى إبقاء هذه السياسات السيئة قيد البحث.

أما البارحة، فقد أعلن الرئيس الحريري عن ورقة الإجراءات والتدابير الإصلاحية، كما أعلن عن إشراك القطاع الخاص وتحرير المرافق العامة ذات الطابع التجاري، وهذه الخطوات جميعها إيجابية ومشجعة.

ومع ذلك، فإنّ مجلس الوزراء يبحث في الوقت عينه مشروع قانون جديد يسمى «قانون الشراء العام»، يهدم الإطار الذي سمح بالـ10% من الرقابة ويجرد إدارة المناقصات من دورها ويشجع المحاباة بين العارض وسلطة التعاقد ويضرب مفهوم التنافس والشفافية.

كما يبقى نجاح إشراك القطاع الخاص مشروطاً بكسر الاحتكارات، فهل تسمح خطة الحكومة لمن يشاء بدخول قطاع الطيران والاتصالات أم أن السوق سيُحصَر بعدد محدود من العارضين ينتقيهم الوزير؟

إضغط لقراءة المقال على موقع الجمهورية

إضغط لقراءة المقال على موقع الكتائب