الحذر من «البيتكوين» غير مبرّر ومسارها مختلف عن العملات الدوليّة

حسن يحيى | جريدة الحياة | ١٠-٠١-٢٠١٧

شهدت العملة الرقمية «بيتكوين» أكبر ارتفاع في قيمتها أواخر العام الماضي، إذ بلغت قيمتها 1100 دولار، لتعود وتنخفض وصولاً إلى 889 دولاراً حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

وتلعب عوامل عدة دوراً رئيساً في ارتفاع قيمة هذه العملة، لكن العامل الأبرز المساهم هو الطلب. إذ نظراً الى ندرة هذه العملة، وعدم إمكان ضخّها في الأسواق، يبقى عامل العرض هامشياً غير مؤثر في المعادلة.

ويقول رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق، باتريك مارديني، في حديث الى «الحياة»، أن «نمط العرض الذي تتميز به البيتكوين يُهمش الدور في تقلب الأسعار»، مشيراً إلى أن «الطلب هو العامل الأساس في ارتفاع السعر خصوصاً في أواخر العام الماضي».

ويضيف أن الطلب ذاته يخضع لعوامل عدة، إذ «ترتفع قيمة هذه العملة في شكل رئيس مع الإجراءات التي تتخذها الحكومات للتضييق على هذا النوع من العملات». ويشير إلى «الارتفاع في قيمة العملة في عام 2013، عندما فرضت قبرص في آذار (مارس) ضريبة على أصحاب الحسابات المصرفية فوق الـ100 ألف يورو، ما دفع أصحاب هذه الحسابات إلى شراء «البيتكوين» وتحويلها إلى عملة أخرى في دول أخرى» فارتفعت قيمتها.

وتأثرت العملة وقتها أيضاً بالإجراءات التي فرضتها الهند في آب (أغسطس) من العام ذاته، على العملات الأجنبية في ظل انخفاض الروبية، ما دفع أيضاً من أراد تحويل رأسماله إلى عملات أجنبية لشراء «البيتكوين».

أما الارتفاع الأخير العام الماضي، فيعزوه مارديني إلى الصين في شكل رئيس، خصوصاً مع فرضها قيوداً على رؤوس الأموال من خلال منع تحويل اليوان إلى عملات أخرى. ويُمكن ملاحظة العلاقة بين ارتفاع أسعار «البيتكوين» وبين الصين من خلال ملاحظة احتياط العملات الأجنبية الموجودة في الصين خلال الفترة ذاتها، إذ انخفض احتياط الخزينة الصيني من النقد الأجنبي الى 3 تريليونات دولار في الوقت الذي ارتفعت قيمة «البيتكيون».

نظرياً، يُمكن اعتبار «البيتكوين» العملة السريّة التي لا يُمكن ملاحقتها، إذ تتميز بالحفاظ على سرية من يقوم بالتعامل فيها. وعلى رغم أن كل التعاملات التي تتم بواسطتها مُسجلة ويُمكن أياً كان الاطلاع عليها، إلا أن عملية الربط بين أرقام الحسابات وبين الأشخاص هي العملية الصعبة فعلياً.

ويشرح الباحث في المعهد ذاته سيف الدين عمّوص عن الناحية التقنية لهذا الأمر، إذ يقول في حديث الى «الحياة»، أن عدد «البيتكوين» في العالم محدود ومعروف المصدر. وأي عملية شراء أو تحويل يتم تسجيلها على خوادم الشبكة الخاصة. لكن السرية تكمن في هوية من يقوم بعمليات الشراء وعمليات التحويل وليس في العملية ذاتها.

ولا تقتصر خصائص «البيتكوين» على السرية، إذ تُعتبر هذه العملة سلعة إلكترونية سمحت للمرة الأولى، بإجراء عمليات الدفع الإلكتروني من دون وسيط. إذ تتم كل عمليات التحويل أو الدفع الإلكتروني عبر طرف ثالث يربط بين المحول والمحول إليه على غرار المصارف أو مكاتب التحويل العالمية. ونظراً إلى أن هذه العملة لا تتطلب وجود طرف ثالث، فإن كلفة التحويل بين الحسابات تكاد تقارب الصفر، ما يعطيها أفضلية على الأموال والعملات التقليدية.

ولعل الحذر الذي أبداه مارديني في شأن «البيتكوين» هو ذاته الذي تبديه المصارف المركزية، إذ تحاول غالبيتها التضييق على التعامل بها خوفاً من تبييض الأموال ومن التقلب الكبير في الأسعار نظراً إلى محدودية العرض. وتعمد المصارف المركزية وبعض المصارف المحلية، إلى حظر هذه العملات والتعاملات بها، خصوصاً في إطار مكافحة تبييض الأموال وهروب الرساميل. إذ لا يوجد سقف فعلي للتعاملات التي يُمكن أن تتم من خلال هذه العملة، على عكس ما هو حاصل في كل العملات العالمية.

هذه العوامل، إضافة إلى عوامل تتعلق بالجرائم الإلكترونية، تجعل الحذر من هذه العملة مفهوماً. لكن عموص يعارض بشدة هذا الحذر. إذ يعتبر أن «البيتكوين» أداة يعود سبب استعمالها الى الشخص نفسه. وأعطى مثلاً عن الدولار بوصفه «العملة الأولى لكل جرائم العالم، فهل يجب حظره؟».

ويشير عموص في هذا الإطار، إلى أن سوق «البيتكوين» في العالم في تطور مستمر ولم يستطع أحد ولن يستطيع وقفه نظراً إلى أن هذا الابتكار هو «الحلقة الأخيرة» في الرقمنة في رأيه. إذ أصبح العالم كله موجوداً على شبكة الإنترنت، وما كان ناقصاً فعلياً هو إيجاد طريقة للدفع. وتوافرت هذه الطريقة مع «البيتكوين». ويضيف أن «البيتكوين» اليوم كابتكار الإنترنت عام 1995 من جهة التطور والفكرة السلبية عنه، مشيراً إلى أن تطورها وتحولها «عملة» فعلية يمكن الاعتماد عليها هما مسألة وقت.

ويلفت عموص في هذا الإطار، إلى أن إنتاج «البيتكوين» في العالم سيتوقف عام 2140، إذ يعمل برنامج الإنتاج وفق معادلة رياضية معقدة. ففي السنوات الأربع الأولى لابتكار «البيتكوين»، يقوم البرنامج بإنتاج 50 بيتكوين كل عشر دقائق. أما في السنوات الأربع التي تليها، فيتم إنتاج نصف هذا العدد (12.5 بيتكوين بدأت في تموز/ يوليو الماضي)، في حين يتم إنتاج نصف العدد الجديد في السنوات الأربع التي تليها وصولاً إلى التوقف عن الإنتاج.

ونظراً إلى الوتيرة البطيئة لارتفاع إنتاج «البيتكوين»، فإن عملية «التعدين» أيضاً تزداد صعوبة مع الوقت. إذ تتطلب هذه العملية اليوم حواسيب فائقة السرعة تضاف إليها كهرباء رخيصة بهدف تحقيق أرباح.

 إضغط هنا لقراءة المقال على الموقع الرسمي للجريدة