أزمة مالية وفيروس قاتل وانفجار مدمر.. هل يمكن إحياء اقتصاد لبنان؟

صحيفة الاستقلال | ٢٣ آب ٢٠٢٠

خلف انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020، خسائر بالمليارات ليعمق من الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي يشهدها لبنان.

ويواجه لبنان ارتفاعا في المديونية العامة وصل إلى نحو 90 مليار دولار أميركي وتراجع حاد في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار بنسبة تزيد عن 80% في السوق الموازية السوداء، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع احتياطي البلاد من العملات الأجنبية إلى 20 مليار دولار في بلد يعتمد على الواردات.

وقضى الانفجار على ما يقرب من 85% من صوامع الحبوب في لبنان، ودمر المصدر الرئيسي لمخزونها في البلاد الذي كان يخزن في المرفأ، وشرد نحو ما لا يقل عن 300 ألف شخص.

وقال ممثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في لبنان، موريس سعادة، لرويترز: “تلك الصوامع هي الرئيسية الوحيدة”، مشيرا إلى أن البلاد ليس لديها مخزون أو احتياطي آخر يمكن الاعتماد عليه لمواطنيها الذين يقدر عددهم بنحو 6 ملايين نسمة والذين يواجهون الآن الخوف من نقص الغذاء.

وخفض معهد التمويل الدولي IIF توقعاته بانكماش اقتصاد لبنان من سالب 15% التي انحدر إليها حاليا إلى سالب 24% مع نهاية العام 2020، بسبب أسوأ أزمة مالية واقتصادية يشهدها منذ استقلاله في عام 1943.

وتوقع المعهد انكماش الناتج المحلي الإجمالي لاقتصاد لبنان بحوالي 19 مليار دولار، من 52 مليار دولار لعام 2019 إلى 33 مليار دولار لعام 2020.

التكلفة الاقتصادية
يقدر عدد السفن التي ترسو في مرفأ بيروت بـ 3100 سفينة سنويا، وتمثل حركة البضائع الواردة عبر أكثر من 70% من البضائع التي تدخل لبنان.

وتشكل عائداته الجمركية نحو 77% من مجمل العائدات في المرافئ والمطار والمراكز الحدودية البرية، ويؤمن 83.3% من حاجات لبنان من القمح، كما يضم المرفأ مخازن كبيرة للبضائع و لعمليات التجميع وللسيارات والآليات الثقيلة.

وقال الرئيس اللبناني، ميشال عون: إن الخسائر الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت تفوق 15 مليار دولار، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية.

وتناولت وسائل الإعلام بعض التقديرات لخبراء اقتصاديين أن لبنان بحاجة لنحو ما يزيد على 30 مليار دولار لإعادة بناء اقتصاده المتداعي.

وبحسب رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني، فإنه من المبكر تقدير حجم الخسائر نظرا لأن عملية المسح تحتاج إلى وقت، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين التكلفة والقيمة.

وقال مارديني لـ”الاستقلال”: “ليس هناك معنى أن يتم بناء المرفأ والمرافق المحيطة به من محلات ومطاعم وغيرها، فالأمر لا يتوقف على تكلفة الإصلاح والبناء فقط، فتلك المباني فقدت قيمتها من حيث تراجع الرغبة في شرائها أو تردد المستهلكين عليها، وبالتالي فإنه من المبكر الحديث عن حجم الخسائر”.

وأضاف: أنه “لا يجب أن ننسى أن لبنان يمر بالأساس بأزمة اقتصادية حادة من قبل حادث المرفأ الذي لم يكن يعمل بكامل طاقته”.

ولفت إلى أن المرفأ كان يعمل بأقل من 30% من طاقته وأن المحلات التي بالمرفأ لا يوجد بها زبائن والجميع مديون، وأن الجميع كان على أمل أن العام القادم أو ما يليه ستتحسن الأوضاع وتعود المحلات والمرافق إلى طبيعتها إلا أن كل شيء دمر الأن.

يقع المرفأ في منطقة إستراتيجية تربط بين الأسواق التجارية لكل من آسيا وأوروبا وإفريقيا، ما يعني تقليص مدة رحلات الملاحة التجارية مقارنة مع طرق أخرى.

ولدى المرفأ، ارتباط مباشر مع 56 ميناء في القارات الثلاث، بينما يستقبل ويصدر البضائع بالتعاون مع 300 مرفأ حول العالم.

خلال السنوات 2005 – 2018، نمت حمولة البضائع عبر المرفأ بمتوسط سنوي 4.6 ٪ من 4.48 ملايين طن سنويا في 2005 إلى متوسط 8 ملايين طن في 2018.

وخلال 2018، استقبل المرفأ قرابة 7.05 ملايين طن من السلع تمثل نسبتها 72 بالمئة من إجمالي واردات السلع عبر البحر، مقابل صادرات بقرابة مليون طن تمثل 78 بالمئة من إجمالي حجم الصادرات.

ولم يكن العام 2019 هو الأفضل ماليا بالنسبة لمرفأ بيروت، بسبب التطورات الاقتصادية السلبية في البلاد، وأثرها على انخفاض الاستهلاك، وبالتالي تراجع حركة التجارة.

وتظهر بيانات المرفأ، أن إجمالي إيراداته خلال 2019 لم تتجاوز 200 مليون دولار، مقارنة مع 313 مليون دولار في 2018.

وأشار مارديني، إلى أن المتضررين أصبحوا مطالبين بتحمل تكلفة إعادة ممتلكاتهم مثل ما كانت قبل الحادث، إلا أن من لديه المال لإصلاح ممتلكاته من بيوت أو محلات لن يستطيع سحب أمواله من البنوك بسبب الأزمة المصرفية التي يمر بها لبنان.

وأوضح مارديني، أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على مساعدة المتضررين نظرا لأن ميزانية الدولة لا تسمح، كما أن ليس لديها القدرة على الاقتراض نتيجة تخلفها عن دفع ديونها وبالتالي لا أحد لديه الثقة الكافية لإقراض البلاد.

بالإضافة إلى أن الفساد المستشري لدى المسؤولين بالدولة يمنع الدول والمؤسسات المالية من إعطاء أموال للحكومة اللبنانية لقناعتهم بأنها لن تصل للمتضررين.

وتابع: “أي مواطن لبناني تعرض إلى تلك الخسائر لا يعتمد على الحكومة لمساعدته، وكل المساعدات التي تم جمعها حتى الآن من الخارج تقدر بنحو 300 مليون دولار معظمها ستكون مساعدات عينية وليست على شكل أموال أو من خلال توزيع الأموال عبر المنظمات المجتمعية دون الحكومة، وفي حين أن تلك المساعدات بهذا الشكل فلن تساهم في تعويض المتضررين”.

ويرى أن المنطقة التي تضررت ببيروت تعد من أحسن الأماكن، فهي تحتوي على أفضل المكاتب ومناطق للعمل والمحلات التجارية والمطاعم والكافيهات، وبالتالي لبنان خسر قلبه النابض وجزءا كبيرا من حركته التجارية.

وتعهد مؤتمر للمانحين من أجل لبنان في 9 أغسطس/ آب 2020 بمساعدات عاجلة للبلد المنكوب، تقارب 300 مليون دولار كي يتجاوز تداعيات انفجار مرفأ بيروت، لكنه أكد أن المساعدات ستمر عبر الأمم المتحدة، كما أنه ربط أي دعم مالي في المستقبل بالإصلاحات التي يطالب بها اللبنانيون.

وأعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان أن المشاركين في المؤتمر تعهدوا بتقديم 252 مليون يورو (298 مليون دولار) تشمل 30 مليون يورو مقدمة من فرنسا مستضيفة المؤتمر، ويستهدف هذا الدعم المالي الإغاثة المستعجلة التي تشمل توفير الدواء والغذاء، بالإضافة إلى السكن والمدارس.

من جانبه يرى الخبير الاقتصادي، ​نسيب غبريل، أن التقديرات الشائعة عن حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة وعن كلفة إعادة الإعمار “مبكرة جدا وغير مبنية على وقائع ومعطيات علمية”، مشيرا إلى أن “ما هو أكيد أن الخسائر بمليارات الدولارات، وأن علينا انتظار تقدير البنك الدولي الذي يقوم بعمل مسح شامل وتقدير أولي لحجم الخسائر”.

وأعلن البنك الدولي في 6 أغسطس/ آب، استعداده لحشد موارده لمساعدة لبنان. وأكد قدرته على استخدام خبراته “لإجراء تقييم سريع للأضرار والاحتياجات ووضع خطة لإعادة الإعمار وفق المعايير الدولية”، حسب بيان صادر عنه.

وأكد غبريل، لـ”الاستقلال”، أن معدل انكماش الاقتصاد اللبناني في تزايد مستمر، وأن تقديره للانكماش في بداية العام كان يتراوح بين الـ8% و10%.

وبعد جائحة كورونا عدل توقعه للانكماش ليكون ما بين 14 و18%، إلا أنه بعد حادث مرفأ بيروت، فيتوقع أن يصل المعدل إلى نحو 22 و24%.

وتابع: “الشعب والاقتصاد اللبناني بالأساس يعانون من أزمة مالية واقتصادية وجاءت فوقه جائحة كورونا لتزيد أزمة اجتماعية وصحية، واليوم جاءت هذه الكارثة لتفاقم كل هذه الأزمات مع بعضها”.

استعادة الثقة
مجلة “فورين بوليسي” الأميركية تقول: إن التفجير لو قدر له أن يقع في دولة أخرى، لكنا شاهدنا الجيش ومسؤولو إدارة الكوارث يهرعون إلى مكان الانفجار؛ وكان السياسيون سيصطفون لتقديم التعازي والدعم.

وللمفارقة، كانت الدولة في لبنان غائبة بشكل واضح، فبدلا من تعزيز حضورها، فرض الرئيس ميشال عون حالة الطوارئ ومنح الجيش سلطات واسعة للحد من حرية الحركة والعمل الصحافي.

وأعلن رئيس مجلس الوزراء اللبناني، حسان دياب، في 10 أغسطس/ آب استقالة حكومته إثر انفجار مرفأ بيروت.

ويرى مارديني، أن لبنان بحاجة إلى حكومة توحي بالثقة للمجتمع الدولي لتتمكن من استقدام مساعدات لأنه دون الأموال القادمة من الخارج لن تستطيع لبنان القيام مرة أخرى.

ويعتقد أنه على الحكومة القادمة أن يكون هدفها الأول إبرام صفقة مع صندوق النقد الدولي لما يحمل من ضمانه لدى المجتمع الدولي بأن هناك إصلاحات تقوم بها الحكومة اللبنانية.

وأعلن صندوق النقد الدولي، في أعقاب مؤتمر المانحين الدوليين لبيروت المنكوبة بالكوارث، أنه يتعين على لبنان تنفيذ إصلاحات مالية عاجلة حتى يتمكن من الاستفادة من أموال الإغاثة.

وانتقدت المدير العام لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، “نقص الإرادة السياسية لتبني وتنفيذ إصلاحات جادة”. وقالت: “نحن مستعدون لمضاعفة جهودنا، لكننا بحاجة إلى وحدة الهدف في لبنان، وإلى أن تجتمع المؤسسات ككل على العزم على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بشدة”.

وأضافت: “الالتزام بهذه الإصلاحات سيطلق مليارات الدولارات بما يفيد الشعب اللبناني”.

ويركز صندوق النقد الدولي على استعادة الملاءة المالية العامة (القدرة على الوفاء) والحصول على ضمانات لمنع إهدار رؤوس الأموال ووقف الخسائر من المشروعات المملوكة للدولة.

كما يطلب الصندوق أيضا شبكة ضمان اجتماعي أوسع ويحذر من أنه بدون ذلك سيتحمل الضعفاء وطأة الأزمة.

وحسب وكالة بلومبرج الأميركية، فإن صندوق النقد الدولي يدعو لبنان إلى إلغاء نظام أسعار الفائدة المتعدد، كما يحثه على صياغة ضوابط رأس المال في النظام المصرفي.

فيما قال غبريل: إن الاقتصاد اللبناني كان يعاني من أزمة ثقة حادة فجاءت الحكومة المستقيلة وفاقمتها بدل من التخفيف منها، وبالتالي فلا بد أن يكون هدف الحكومة القادمة هو استعادة الثقة من خلال خطوات عملية يشعر بها المواطن اللبناني، والاستمرار بشكل جدي في التفاوض مع صندوق النقد على برنامج تمويلي.

وأشار إلى أن تلك الإصلاحات يجب أن تضمن أيضا وجود قانون لضبط التحويلات المالية إلى الخارج، وتعديل موازنة 2020 لتشمل مشروع تصحيح المالية العامة المتوسط الأمد، والعمل على ضبط منظومة الكهرباء التي تعد عبئا على المواطن وعلى الاقتصاد قبل أن تكون عبئا على الخزينة.

ويدعو أيضا إلى تطبيق القوانين بشكل كلي وليس جزئي، وإعادة هيكلة القطاع العام وتحجيمه، وتنحي الدولة عن إدارة قطاعات تحتكرها مثل الكهرباء والاتصالات والمياه والنقل.

واستكمل: “يجب إدخال القطاع الخاص لإدارة هذه القطاعات لأنه احتكار”، مضيفا: أن “إدارة القطاعات الحيوية من قبل الدولة كان كارثيا على الاقتصاد اللبناني، فكما نرى المواطن يدفع فاتورتي كهرباء وثلاث فواتير مياه وأغلى فاتورة اتصالات خليوية بالعالم العربي”.

وطالب القطاع العام بأن يتحمل هو الكلفة الأكبر للأزمة التي يعيشها لبنان وليس المواطن اللبناني.

واستنزف قطاع الكهرباء منذ انتهاء الحرب الأهلية الخزينة اللبنانية بنحو 37 مليار دولار، ويشكل هذا الرقم نحو 40% من الدين العام في لبنان، ويكلف العجز في الكهرباء موازنة الدولة بين 1 و1.5 مليار دولار سنويا.

ولم تتمكن السلطات المتعاقبة من إيجاد حل مستدام، وبقي لبنان يواجه عجزا في الإنتاج وتعديات على شبكة التوزيع وضعفا في الجباية، كما دخلت الخلافات السياسية على هذا القطاع، وأدت إلى ما وصل إليه لبنان من إخفاقات في هذا القطاع الأن.

وتوقع مارديني، أن لبنان يسير نحو أزمة قوية سيتحمل أعباءها أجيال قادمة، مشيرا إلى أن الشعب اللبناني لن يستطيع أن يتحمل تلك الفترة اقتصاديا واجتماعيا، وسيبحث المواطن عن مكان يعيش فيه خارج موطنه، وبالتالي من لديه القدرة على مغادرة البلاد سيغادر.

فيما يرى غبريل، أن الفترة المطلوبة لانتهاء أزمة لبنان الاقتصادية تبدأ بعد وجود إرادة سياسية حقيقية لتطبيق الإصلاحات والوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي على جدول زمني لذلك.

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع صحيفة الاستقلال

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع Etleboro