الخطر الأكبر: تثبيت الأسعار!

شربل جريج | ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٠

يتبادر لذهن الكثير من الناس، وللأسف، أن الخطوة الأولى لحلّ الأزمة يكون عن طريق تحديد الاسعار، خصوصا السلع الأساسية. قد يكون تدبير استثنائي كهذا ضروريا في حالة حرب وحصار. لبنان لا يخضع لحصار، لذلك اي تحديد للأسعار ستكون نتيجته كارثية. في ما يلي اذكر بعض الأسباب المنطقية واعطي أمثلة

إن سبب غلاء الأسعار حاليا لا علاقة له بالمؤامرات. واستخدام جشع التجّار كحجة هو تبرير فارغ وغير منطقي. النظام الاقتصادي السليم يرتكز على تحفيز الناس على استدرار الربح، إذ بذلك يحصل المجتمع على كل حاجاته. القوة التحفيذية لهدف جني الأرباح هي عامل ضروري في كل مجتمع مزدهر. طبعاً السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين هو: من يحمي الفقراء من جشع التجّار؟ الجواب بسيط : التنافس الحرّ يضمن للمستهلك أرخص سعر ممكن لأفضل السلع والبضائع!

أين يكمن الخلل ولماذا ارتفعت الاسعار ؟

الخلل الوحيد يكمن في تعطيل القوى التنافسية. لذلك إذا كان فعلا هدف الحكومة الجديدة مساعدة المستهلكين، عليها ان تبادر اولا الى تفكيك الاحتكارات، خصوصا السلع الأساسية والعملات الصعبة. في لبنان، يُمارس الكثير من الاحتكارات :استيراد المحروقات والمواد الغذائية والأدوية وتصريف العملات وغيرها:

الحدّ من التنافس يأتي أيضاً بغطاء من الهيئات الناظمة والسلطات الرقابية والوزارات والنقابات والرخص الغير ضرورية.

إذاً، في هذا الظرف الاستثنائي، قد يكون الحل بتعليق العمل بكل الاحتكارات المحميّة قانونياً، وتسهيل دخول شركات وأشخاص جدد على كل القطاعات الاقتصادية خصوصاً الأساسية، عبر تعليق الحاجة للرخص المسبقة لاستيراد المواد أو تأمين الخدمات الضرورية. إنّ تسهيل العمل يشجع المنافسة ويحسّن النوعية ويساهم في خفض الاسعار.

طبعاً إجراءات كهذه تتطلب تفعيل الرقابة لمحاربة الغشّ. فتحويل الموارد البشرية من معاملات رسمية الى التحقيق في حالات الاحتيال يصبح ضروريا ولكن سهلا

يبقى السؤال : لماذا ارتفعت الأسعار؟

الواقع هو أن سبب ارتفاع الأسعار هو ذاته سبب الخطورة في تثبيت الأسعار!

سبب ارتفاع الأسعار هو محاولة المسؤولين السياسيين التحايل على معالجة الأزمة في سببها الحقيقي : الإفراط في صرف أموال الناس والإستدانة لتنفيذ مشاريع الهدر والسرقات. فبدل أن يعمد الوزراء إلى حصر النفقات لتتساوى بالواردات، اوعذوا لمصرف لبنان لإصدار الليرة بكميات كبيرة لتأمين السيولة لدى المصارف ولدفع أجور فائض الموظفين والسرقات وغيرها. طبعاً، عندما تضخ كميات كبيرة من العملة المحلية في السوق، قيمتها تنهار وتتضخم الأسعار. هذا ما تسبب بأزمة الدولار والمحروقات والدواء وغيره.

إذاً لماذا تحديد الأسعار مضر، لأنه يحمّل جزء من الشعب، أي التجّار، مسؤولية الإنهيار كما يُفاقم من الأزمة ويسمح للسياسيين بالتلطي وراء حجّة جشع التجّار! مخاطر تثبيت الأسعار تكمن في انقطاع السلع و تردّي نوعيتها أو نشوء أسواق سوداء. أما الأمثلة على مخاطر اتباع هذه السياسات التعسّفيّة الشعبوية الخطيرة فكثيرة : فنزويلا، الأرجنتين، زيمبابوي..