التنوع الجندري وأداء الصناديق الاستثمارية

تسعى الدول الخليجية إلى تعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد وإلى تمكين المرأة، وهما هدفان منفصلان شكلياً. لكن ورقة بحث جديدة كشفت أن إعطاء الإناث دوراً أكبر في قرارات الصناديق الاستثمارية، يتسبب بتحسن في أدائها، بالتالي يجب على الحكومات والقطاعات الخاصة الخليجية، أن تنظر في نتائج ذلك البحث كجزء من تنفيذها لرؤاها الاقتصادية.أعدّ الورقة الباحثان الاقتصاديان بول غومبرز وسوفي وانغ، المنتسبان إلى جامعة «هارفرد» الأميركية، وانطلق البحث من ظاهرتين لافتتين، هما الولع بالنظير (homophilia)، وهي ظاهرة نفسية تدفع البشر نحو التمييز لمصلحة نظرائهم من أبعاد مختلفة، كالجنس والعنصر والسن وغيرها. ويعي الإنسان أحياناً تأثره بهذه الظاهرة مثلاً، حين يفضل الأطفال الذكور اللعب مع الذكور، والإناث مع الإناث. لكن في حالات يومية كثيرة، ربما لا يعي الشخص تولعه بالنظير خصوصاً في المجالات المهنية، حيث يُحظر التمييز على أساس جنسي أو عنصري أو عمري.

وعلى سبيل المثال، حين يحكم قاضٍ أبيض لمصلحة مدعٍ أبيض، وضد مدعٍ عليه أسود، قد يكون القرار جزئياً مبنياً على اعتبارات الولع بالنظير من دون وعي القاضي.

وتتمثل الظاهرة الثانية، في قلة تمثيل الإناث في مجالس إدارة صناديق رأس المال المُخاطر (venture capital) في الولايات المتحدة، إذ اكتشف الباحثان أن 75 في المئة من شركات رأس المال المُخاطر لم توظف أبداً امرأة في منصب مستثمر محترف أول (senior investment professional)، كما تمثل الإناث فقط 10 في المئة فقط من الموظفين الجدد في القطاع.

وسعى الباحثان إلى الإجابة عن سؤالين، هل توجد عوامل تساعد في التغلب على ظاهرة الولع بالنظير في قرارات التوظيف لدى الصناديق الاستثمارية، تحديداً في البعد الجندري؟ وما هو أثر التنوع الجندري على أداء الصناديق الاستثمارية؟

للتقصي حول السؤال الأول، جمع الباحثان بيانات حول التركيبات الجندرية لدى مجالس إدارة صناديق رأس المال المُخاطر، وأيضاً حول التركيبات الجندرية لدى أبناء أعضاء مجالس الإدارة. واســــتعانة بأدوات إحصائية متقدمة، تمَكّن المؤلفان من الاستنتاج بأن الــــذكور المسيطرين على مجالس إدارة تلك الصناديق، يفضلون توظـــيف الذكور على الإناث بسبب الولع بالنظير، وهو سبب غير متعـــلق بالأداء المتوقع لدى الموظف.

واكتشف الباحثان، أن انحياز الذكور نحو توظيف الذكور يقل حين يرتفع تمثيل الإناث من أبناء المديرين الذكور، وتحديداً في حال استُبدل أحد الأبناء الذكور لدى الأعضاء الحاليين لمجلس إدارة صندوق استثماري بابنة، فيزداد احتمال توظيف امرأة في منصب استثماري رفيع بنسبة 24 في المئة. إذاً، يولد التنوع الجندري في أبناء المديرين الحاليين تنوعاً جندرياً في الموظفين الجدد. ويعود ذلك إلى أن الأب الذي لديه بنات وليس فقط أبناء ذكور، يقل انحيازه نحو الذكور لا شعورياً، ربما تعاطفاً مع الإناث.

والسؤال الأهم من الجانب الاقتصادي هو أثر التنوع الجندري على أداء مجالس إدارة الصناديق الاستثمارية. واستنتج المؤلفان فعلاً، أن وجود تمثيل عادل للإناث في مجالس الإدارة يعزز ربحية الصناديق. والسبب الرئيس لذلك، هو أن الولع بالنظير يؤدي إلى عدم توظيف إناث ذات مهارات أفضل من الذكور الذين يُوظفون، وبالتالي مكافحة هذه الظاهرة يساعد في تشكيل طواقم إدارية على أساس الأداء.

ولفت الباحثان أيضاً إلى سببين إضافيين لإيجابيات التنوع الجندري، هما أن التجانس الشديد في أصحاب القرار عند مناقشة القضايا التي تتطلب حكمة وتشاوراً كالقرارات الاستثمارية، يقلل من جودة الأفكار التي ينظر فيها أصحاب القرار. إذ يدفعهم التجانس إلى التفكير في أفق ضيق، والتهليل اللاشعوري. وعلى عكس ذلك، يولد عدم التجانس في أصحاب القرار تنوعاً في الأفكار والمشاريع المطروحة، ومن ثم يؤدي إلى قرارات أفضل.

ويتمثل السبب الثاني في مجال الاستثمار، إذ تتميز الصناديق الناجحة بالقدرة على الحصول على أفضل الصفقات، من طريق شبكة معارف قوية، تغذي مجلس الإدارة بفرص جديدة ومميزة. وبالتالي يوسع التنوع الجندري في مجلس الإدارة حجم شبكة المعارف الإجمالية لدى أعضاء المجلس، ومن ثم جودة الصفقات المعروضة.

وتشهد مجالس إدارة الصناديق الاستثمارية الخليجية، تفشياً أوسع لظاهرة الانحياز نحو الذكور، وهو أمر واضح في الولايات المتحدة. ويُتوقع أن يعكس ذلك ظلماً للإناث، كما يقلل من أداء تلك الصناديق، للأسباب ذاتها التي ذكرها الباحثان. ومع تراجع أسعار النفط، واندماج الاقتصادات الخليجية في الاقتصاد العالمي، أصبح تعزيز أداء النشاطات الخاصة هدفاً رئيساً للمجتمعات الخليجية.

وبما أن الصناديق الاستثمارية تحتل حلقة محورية في سلسلة الإنتاج لدى القطاع الخاص، وهي حلقة الانطلاق للمشاريع المبتكرة التي تخلق فرص عمل وتحرك الاقتصاد، فيتوجب على أصحاب المصلحة أن يدرسوا نتائج هذا البحث، ويناقشوا سبل تعزيز تمثيل الإناث. إذ لا بد من وجود فرص استثمارية دولية لم تغتنمها بعد الدول الخليجية، بسبب عدم الاستفادة من مهارات الإناث الخليجيات، كمحللات وصاحبات اقتراح ووسيطات. ولكن التوصية الأهم هي ضرورة أن «يمنح المجتمع الإناث فرص العمل ذاتها التي يحصل عليها الذكور، سعياً إلى العدالة الاجتماعية قبل أي اعتبارات تتعلق بالأداء.

إضغط هنا لقراءة المقال على الموقع الرسمي للصحيفة